فتيةٌ أحيوا روح النضال الإرتري

مابين ليلة وضحاها أصبح الإرترييون يرددون اسم شخص واحد تأيداً له أو معارضة " الحاج موسى محمد نور " . تصدر اسمه المشهد الإرتري في الداخل والخارج عقب أحداث إنتفاضة مدرسة الضياء المجيدة 31 أكتوبر 2017 بعد مظاهر طلاب المدرسة وأمهاتهم من حي آخريا حيث مكان المدرسة إلى وسط مدينة اسمرا شارع الحرية حيث وزارة التعليم .ماحدث في ذلك اليوم من مظاهرة ورفض من قبل الطلبة يعتبر حدث تاريخي لشعب أعتاد على مدى 26 سنة على الخنوع والاستسلام وتطبيق جميع القرارات الحكومية دون أي نقاش أو معارضة .هذه الإنتفاضة هي أول حركة شعبية تتمرد على القمع والقرارات التعسفية التي تطبق عليه .

على مرعقود عانى الشعب الإرتري من استعمارات واحتلال لأراضيه من قبل قوة خارجية حتى ثار ليصبح سيد أرضه وصاحب قراره . ومن أجل ذلك خاض كفاح مسلح مرير . ويعتبر النضال الإرتري من أطول النضالات التحريرية في القرن المااضي في القارة الأفريقية حتى تم تحرير أرضه بقيادة الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا في 24 مايو 1991 . ولم ولن نستطيع وصف فرحة الإرتري بالإستقلال والحرية . فقد أصبح يُنادى باسم دولته في العالم ورفف علم بلده في المحافل الدولية وتردد نشيد وطنه في كل المناسبات .

وكانت أول مساوىء الدولة إن رجال الثورة أرادوا أن يحكموا في زمن الدولة . وأصبحوا يمنَون على الشعب الإرتري منذ الإستقلال بأنهم أصحاب الفضل في وجود دولة مستقلة تسمى إرتريا . يتميز الشعب الإرتري بالصبر وذلك بسبب مامرَ به من حروب وتهجير ومعاناة ، و كلما أراد أن يطالب بحياة كريمة في بلده يأتي رجال الثورة ليذكروه بتضحياتهم ونضالهم التحررية. فما كان منه إلا إنتظار التغير أو الإصلاح أملاً في الأفضل . وفي الدول التي تحترم مواطنيها يطالب الفرد بحقوقه عبر صناديق ينتخب من خلالها من يحقق له مطالبه ، وإذا لم يتم ذلك فإنه من المتعارف الخروج في مظاهرات مطالبة أو رافضة للقرارات الحكومية إلا إن الشعب الإرتري لم يعتاد على التصرف بهذه الطريقة ، وخاصة من عاش زمني الإحتلال والاستقلال . بالرغم إنه كان يتظاهر ويعترض ضد قرارات الحكومة الإثيوبية أو بعبارة أوضح كان الشباب يتظاهر ويرفض .

الشباب في كل مكان وزمان هم وقود الحركات التحريرية والتغيرات المصيرية في حياة الشعوب . ولذا فإن الحزب الحاكم " الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة " قد أدرك ذلك مبكراً ، فالثورة الإرترية لم تخفت شعلتها خلال ثلاث عقود بسبب الشباب الذي كان يتوافد أفراداً وجماعات إلى ساحات النضال . وقد كان أول قرار تم تطبيقه بعد الاستقلال الخدمة الوطنية الإلزامية على الجنسين لكل من تجاوز 18 سنة . وكانت المدة مابين 12 إلى 18 شهر . في تسعينات القرن الماضي كان التجنيد يتم بعد الإنتهاء من إختبارات الشهادة الثانوية . ومن ثم يذهب الطلبة إلى معسكر التجنيد في ساوا حتى يتم إعلان نتائجهم الثانوية . من نجح وحصل على الدرجات العليا يتم إخراجه من المعسكر لإكمال تعليمه الإكاديمي أو المهني ومن لم يحالفه ذلك يكمل تدريباته حتى ينهي مدته ومن ثم يحق له ممارسة حياته كما يريد . هكذا كان الظاهر. لكن في الحقيقة إن الحكومة كانت تفتعل خلافات حدودية مع دول الجيران ويتم إستدعاء كل المجندين ومن ضمنهم الذين انهوا خدمتهم ليكونوا حطب لمعارك وخلافات وهمية . ومن ناحية أخرى يجب على طالب مرحلتي المتوسطة والثانوية تأدية الخدمة الصيفية في مناطق بعيدة عن مكان إقامتة .ولن يستطيع إكمال دراسته في مدرسته إلا بعد الحصول على شهادة تثبت ذلك.

معنى ذلك إن حكومة "هقدف " تستلم الإرتري بمجرد مغادرته عمر الطفولة و في مرحلة تكوين شخصيته تقوم بعجنه وصقله لتجعل منه إنساناً خاضعاً ، ذليلاً، خائفاَ ، مطيعاَ ، لا يرفض ، ولا يستطيع إبداء رأي ، وفي نظره إن إسياس وحزبه هم المحررين ومن يستطيعون وحدهم حُكم إرتريا .

مابين عامي 1998 – 2000 خاضت إرتريا حرب حدودية مع أثيوبيا أسفرت حوالي 70 ألف شهيد ، وتم تدمير مدن الحدود وقتل كل ما بقي من روح الحرية والسلام في النفس الإرترية . وحين طالب رفقاء إسياس ووزراء حكومته وأصحاب الرأي والفكر في البلد الإسراع في عملية الإصلاح والتعديل السياسي المطروحة منذ الإستقلال ، انقلب عليهم وسجنهم دون محاكمة في 2001.

ومن ناحية أخرى ولعدم التزام إثيوبيا بإتفاقية السلام التي تمت في 2002 بشأن انسحابها من منطقة " بادمي " الإرترية ومن ثم ترسيم الحدود بين البلدين فإن الحكومة وجدت سبباً من أجل تغير طريقة نظام الخدمة الإلزامية. وبدأت تردد إنه بسبب حالة اللاحرب واللاسلم الذي تعيشه مع جارتها ، ولأن بادمي مازالت محتلة من قبل أثيوبيا فإن إرتريا بحاجة إلى جيش كبير ومستعد دائماً. لذا فإنه منذ عام 2002 أصبح الشاب الإرتري يبدأ تجينده قبل أن يبلغ السن القانوني ( 18 سنة ) وذلك بعد أن تم ربط غريب بين وزارة التعليم والجيش . حيث يُجبر الطالب على دراسة السنة النهائية من المرحلة الثانوية في معسكر التدريب ساوا في ظروف معيشية قاسية وصبغة عسكرية صارمة لا تناسب طالب علم قاصر. وأصبحت الخدمة الإلزامية غير محددة الأجل .

يؤدي المجندون خدمتهم في المجالات المختلفة في وزرات الدولة . يعملون أعمال شاقة مثل تشيد الطرق وزراعة الأراضي بأدوات بدائية مقابل مكافأت مالية متدنية وإجازات متباعدة وعقوبات مستمرة لأسباب تافه ،هدفها التنكيل وإخضاع كل من لديه روح الاعتراض أو الرفض .

ويتفنن مسئولي المجندين في تنوع العقوبات التي تقتل روح الشباب فيمن هو في شباب العمر .

تقتل الطموح والتخطيط للمستقبل .

تقتل إبداء الرأي وطرح أفكار وإمتلاك رؤية .

تقتل الإعتزاز ، والثقة بالنفس .

تقتل الكبرياء ، والكرامة .

ولعل من أبشع ما سمعت أن يتم معاقبة مجند تأخر في موعد عودته إلى فرقته بأن يغتسل ببوله . وآخر تتم معاقبته بحفر حفرة عميقة بيديه ، ولا يُسمح له مغادرتها حتى يصل لعمق معين وينام ويقضي حاجته فيها . العقوبات ليس من أجل التأديب بل أجل إهانة واذلال المجند. هذا إن كان شاباً ذكراً. وتتطور العقوبات مع الفتيات من جعلها خادمة لأحد قادة الفرق العسكرية إلى استغلالها جسدياً وجنسياً .

ونجد إن هناك شباب قد قضوا نصف عمرهم في الخدمة بلا أي تقدير لسنوات خدمتهم أو حتى إنهاء لها . فما كان منهم إلا الهروب من إرتريا . ولأن من يهرب هو الأسير. فإن الإرتري من عمر 6 سنوات وحتى 50 سنة لا يُسمح له بمغادرة إرتريا إلا من انهى خدمته وهو أيضاً لا يضمن عدم طلبه للخدمة مرة أخرى ، ولذا فإنه يغادرها هروباً . الإرتري محروم من الحياة الكريمة في داخل وطنه ، ومحروم من مغادرته بكرامة من أي منفذ بحري أو جوي أو بري كما هو حال أي مسافر في بلاد العالم. وإن كان ظاهرياً هناك منع لمغادرة أفراد من الشعب إلا إن الحكم الإستبدادي الذي تمارسه الحكومة هدفه دفعهم لمغادرة إرتريا. وهذه خطة محكمة لإفراغ البلد من الشباب الذين قلنا عنهم إنهم قادة أي تغير في أي مجتمع.

وبدلاً من أن يُعرف الإرتري بعلمه وعمله أو حتى بتجارته وفنه وتفوقه الرياضي والأدبي، أصبح معروفاً عالمياً بـ " اللاجىء " . ووفقاُ لتقرير منظمة العفو الدولية في موقعها لعام 20017 /20016 :

( سجلت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة 17147 طالب لجوء في 44 بلداً، في الفترة بين يناير ويوليو وحدها.)

وقد مرت السنوات سريعة حتى ولد ونشأ جيل الإستقلال . جيل لم يرى حاكماً لبلده إلا إرتري مثله متمثل في رئيس ديكتاتوري . ولذا فإن صورة البطل المحرر من الإحتلال والتي ظل يروجها إسياس خلال ثلاث عقود قد تمزقت في لحظات بهُتافات طلبة مدرسة الضياء المطالبين بحقهم في حرية التعليم والمعتقد ورفض الخنوع لقرارات الحكومة الأمرة بنزع حجاب الطالبات وفرض الإختلاط بين الجنسين في مدرستهم .

الحاج موسى وهؤلاء الفتية أحيوا روح النضال والتمرد على الاستبداد في داخل إرتريا . وهم شرارة التغير الذي ستشهده إرتريا في المستقبل القريب بعد كسرهم لصنم المحرر البطل المصنوع من الخوف .

 

حنان محمد صالح

16/12/2017

 

Información del autor

حنان محمد صالح

Programmes & Projects
Countries

Añadir nuevo comentario

Image CAPTCHA